ابن أبي الحديد

78

شرح نهج البلاغة

خطا في مجلس ، ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة ، ودع عنك : كيف أصبح الأمير ، وكيف أمسى ! وكلمني بقدر ما أستنطقك ، وأجعل بدل التقريظ لي صواب الاستماع منى . وأعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول ، فإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شئ ، وأنى فهمك إياه في طرفك ووجهك ، فما ظنك بالملك وقد أحلك محل المعجب بما يسمعك إياه ، وأحللته محل من لا يسمع منه ! وكل من هذا يحبط إحسانك ، ويسقط حق حرمتك ، ولا تستدع الزيادة من كلامي بما تظهر من استحسان ما يكون منى ، فمن أسوأ حالا ممن يستكد الملوك بالباطل ، وذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم . واعلم أنى جعلتك مؤدبا ، بعد أن كنت معلما ، وجعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا ، فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه ، لم تعرف رجحان ما دخلت فيه ، وقد قالوا : من لم يعرف سوء ما أولى ، لم يعرف حسن ما أبلى . * * * ثم قال عليه السلام : وليكن كاتبك غير مقصر عن عرض مكتوبات عمالك عليك ، والإجابة عنها حسن الوكالة والنيابة عنك فيما يحتج به لك عليهم من مكتوباتهم ، وما يصدره عنك إليهم من الأجوبة فإن عقد لك عقدا قواه وأحكمه ، وإن عقد عليك عقدا اجتهد في نقضه وحلة . قال : وأن يكون عارفا بنفسه ، فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره . ثم نهاه أن يكون مستند اختياره لهؤلاء فراسته فيهم ، وغلبة ظنه بأحوالهم ، فإن التدليس ينم في ذلك كثيرا ، وما زال الكتاب يتصنعون للأمراء بحسن الظاهر ، وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة ، والمعرفة ، ولكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حكمت